بسم الله الرحمن الرحیم‏

أصحاب السماحة علماء الدین ومراجع الإسلام العظام والأساتذة الکرام والطلاب الأعزاء فی الحوزات العلمیة، وائمة الجمعة والجماعة المحترمون دامت برکاتهم.

صلوات الله وسلامه وسلام رسوله علی أرواح الشهداء الطیبة لا سیما شهداء الحوزات العلمیة وعلماء الدین الأعزاء .. تحیة لحملة أمانة الوحی والرسالة، الحرس الشهداء، الذین حملوا علی عاتق التزامهم الدامی أرکان عظمة الثورة الإسلامیة ومفاخرها .. سلامٌ علی صانعی الملحمة الخالدة، أبداً من علماء الدین الذین کتبوا رسائلهم العلمیة والعملیة بدم الشهادة وجوهر الدین، وصنعوا من حیاتهم سراجاً یضی‏ء اللیل من علی منبر الهدایة والوعظ ومخاطبة الناس .. الفخر والعزة لشهداء الحوزة وعلماء الدین الذین حطموا عند النزل کل ما یشدهم بالدرس والبحث والمدرسة، وسحبوا حبل التمنیات الدنیویة من تحت اقدام حقیقة العلم ورحلوا فی ضیافة العرشین وانشدوا الشعر فی مجمع الملکوتین.

سلامٌ علی أولئک الذین سمو بالتفقه حتی کشف الحقیقة، واضحوا لقومهم وشعبهم منذرین صادقین، حیث برهنت علی صدقهم وإخلاصهم قطرات دمهم وتناثر اشلاء أجسادهم .. حقاً لا یتوقع من علماء الإسلام الصادقین ورجال التشیع غیر هذا، بأن یکونوا اول من یضحی تلبیة لدعوة الحق وفی طریق النضال الدامی لأبناء شعبهم، وان تکون الشهادة مسک ختام سجلهم.

إن أولئک الذین ادرکوا حلقة ذکر العارفین ودعاء سحر المناجین فی أوساط الحوزات وعلماء الدین، لم یروا فی خلسة حضورهم سوی امنیة الشهادة، وانهم لم یطلبوا من عطایا الحق تعالی فی ضیافة الخلوص والتقرب غیر عطیة الشهادة. وطبعاً لم ینل جمیع المشتاقین والطالبین مراد الشهادة. إن واحداً مثلی امضی عمراً فی ظلمات الحصار والحجب، لا یجد منیة فی ساحة العمل والحیاة غیر الورق والکتاب. وآخر یدحر فی أول لیلة طویلة من حیاته هوس الشهوات ویعقد عهد الوصال والشهادة مع إطلالة سحر العشق. فی حین اننی، الغافل الذی لم آتِ‏ بعد من کمّ العدم إلی الوجود، کیف لی أن اصف قافلة سادة الوجود؟ أنا وأمثالی، لم نسمع من هذه القافلة غیر صوت الاجراس فحسب، ونتغاضی عن ذلک ونمضی.

لا شک فی أن الحوزات العلمیة والعلماء الملتزمین کانوا علی مرّ تاریخ الإسلام والتشیع أهم قاعدة إسلامیة محکمة فی وجه الحملات والانحرافات والسلوک المتطرف. فقد سعی علماء الإسلام الکبار طوال عمرهم، إلی نشر مسائل الحلال والحرام الإلهی دون تدخل أو تصرف. ولو لم یکن الفقهاء الأعزاء لما کان معلوماً أیة علوم کانت تقدم الیوم إلی الناس بوصفها علوم القرآن والإسلام وأهل البیت علیهم السلام. إن جمع وحفظ علوم القرآن والإسلام وسنة الرسول الأکرم وسیرته وسیرة المعصومین علیهم السلام وتدوینها وتبویبها وتنقیحها لم یکن عملًا سهلًا فی ظروف کانت الإمکانیات قلیلة جداً وقد سخر السلاطین والظالمون کل إمکانیاتهم لمحو آثار الرسالة. حیث نری الیوم ولله الحمد ثمرة تلک الجهود فی آثار ومؤلفات مبارکة نظیر (الکتب الأربعة) «1» والمصنفات الأخری للمتقدمین والمتأخرین فی الفقه والفلسفة والریاضیات والنجوم والأصول والکلام والحدیث وعلم الرجال، والتفسیر والأدب والعرفان واللغة وجمیع فروع المعرفة. فإذا لم نسمی کل هذه الجهود والمعاناة جهاداً فی سبیل الله، فماذا ینبغی أن نسمیه إذن؟ ان ثمة حدیث طویل عن الخدمات العلمیة الفذة للحوزات الدینیة لا یتسع المجال هنا لذکره. فالحوزات العلمیة من حیث المصادر وأسالیب البحث والاجتهاد، غنیة للغایة وحافلة بالإبداع. ولا اتصور وجود طریقة أنسب من نهج علماء السلف فی دراسة العلوم الإسلامیة باسلوب معمق. إن تاریخ أکثر من ألف عام من البحث والتحقیق والتتبع لعلماء الإسلام الصادقین، علی طریق رعایة ونمو غرسة الإسلام المقدسة، خیر شاهد علی ادعائنا. فعلی مدی مئات الأعوام کان علماء الإسلام ملاذ المحرومین، حیث ارتوی المستضعفون من کوثر زلال معرفة الفقهاء العظام علی الدوام. وإذا ما تجاوزنا جهادهم العلمی و الثقافی الذی یعتبر التی تعتبر بحق أفضل من دماء الشهداء «2» فی بعض الإبعاد، فانهم ومن أجل الدفاع عن مقدساتهم الدینیة والوطنیة عانوا الکثیر علی مرّ العصور. وضمن تحملهم الأسر والنفی والسجون والتعذیب والإساءة، قدموا شهداء عظاما علی طریق الحق تعالی .. إن شهداء علماء الدین لم ینحصروا فی شهداء النضال والحرب فی إیران، إذ أن الکثیر من الشهداء المجهولین للحوزات العلمیة فقدوا حیاتهم غرباء فی طریق نشر المعارف والأحکام الإلهیة علی ید العملاء والخبثاء. وفی کل نهضة وثورة إلهیة وشعبیة کان علماء الإسلام یقفون فی طلیعة المواجهة حیث خط علی جباههم الدم والشهادة. فایة ثورة شعبیة إسلامیة لم یقف فیها رجال الحوزة وعلماء الدین فی طلیعة الشهداء، ولم یصعدوا المشانق ولم تتوسد أجسادهم الطاهرة مذبح الشهادة فی‏ خضم الأحداث الدامیة؟ مَنْ هم شهداء انتفاضة الخامس عشر من خرداد وما سبقها من أحداث وما تلاها، ومن أیة فئة کانوا؟ نحمد الله تعالی بأن الدماء الطاهرة لشهداء الحوزة العلمیة وعلماء الدین طرزت أفق الفقاهة، ابتداءً من جدران المدرسة الفیضیة وانتهاء بالزنازین الانفرادیة المرعبة لنظام الشاه، وبدءً من الزقاق والشارع وانتهاء بالمسجد ومحراب امامة الجمعة والجماعة، وبدءً من موقع العمل والخدمة وانتهاء بالخطوط الأمامیة لجبهات القتال وحقول الألغام. ومع انتهاء الحرب المفروضة التی تبعث علی الفخر، کان عدد شهداء ومعاقی ومفقودی الحوزات العلمیة یزید علی عدد الفئات الأخری. إذ استشهد أکثر من ألفین وخمسمائة من طلاب العلوم الدینیة فی الحرب المفروضة من مختلف انحاء إیران. ومثل هذا العدد یشیر إلی مدی استعداد علماء الدین للدفاع عن الإسلام والبلد الإسلامی فی إیران.

والیوم أیضاً وکما فی السابق انطلق صیادو الاستعمار فی مختلف أنحاء العالم، سواء فی مصر وباکستان وأفغانستان ولبنان والعراق والحجاز وإیران والأراضی المحتلة، یتربصون بأبطال الروحانیة المعارضین للشرق والغرب، المؤمنین بمبادئ الإسلام المحمدی الأصیل صلی الله علیه وآله وسلم-. وها نحن نشهد بین الفینة والأخری فی العالم الإسلامی انفجار غضب الناهبین الدولیین ضد أحد علماء الدین المخلصین. لأن علماء الإسلام الأصیلین لن یخضعوا مطلقاً للرأسمالیین والخوانین وعبدة المال، وحافظوا علی هذا الشرف علی الدوام. ومن الظلم الفاحش أن یری البعض بأن علماء الدین الأصیلین، أنصار الإسلام المحمدی الأصیل، والرأسمالیین وضعوا أیدیهم فی إناء واحد. ولن یغفر الله تعالی لکل من یروج لذلک أو یفکر بهذا النحو. بل أن علماء الدین الملتزمین متعطشون لدماء الرأسمالیین الطفیلیین ولم ولن یتصالحوا معهم. إذ أن هؤلاء العلماء تعلموا الزهد والتقوی والریاضة جنباً إلی جنب مع کسبهم المقامات العلمیة والمعنویة، وعایشوا الفقر والحرمان وترک بهارج الدنیا، ولم یعرفوا المنّة والذلة مطلقاً. فالمتأمل فی حیاة علماء السلف یری کیف اعتادت روحهم السامیة علی کسب المعارف التعایش مع الفقر، وکیف کانوا یدرسون العلوم علی نور الشمعة وشعاع القمر، وعاشوا بقناعة وکبریاء؟

إن نشر الفقاهة والروحانیة لم یکن بقوة الحراب، ولا بفعل ثروة عبدة المال والأثریاء، وبل ان جدهم ومثابرتهم وإخلاصهم والتزامهم، کان وراء اتباع الناس لهم. کما أن معارضة علماء الدین لبعض مظاهر المدنیة فی الماضی، کان بوحی خوفهم من نفوذ الأجانب. إذ أن الشعور بالخطر من انتشار الثقافة الأجنبیة، لا سیما الثقافة الغربیة المبتذلة، أدی إلی أن یتعامل هؤلاء مع الاختراعات والظواهر الجدیدة بحیطة وحذر. فالعلماء الصادقون ولکثرة ما شهدوا من کذب وخداع الناهبین الدولیین، لم یکونوا یطمئنون لکل جدید، وان وسائل من قبیل الرادیو والتلفاز کانت بالنسبة لهم بمثابة مقدمة لنفوذ الاستعمار، لذا کانوا یفتون أحیاناً بتحریم الاستفادة منها. ألم یکن الرادیو والتلفزیون فی بلدان مثل إیران، وسیلة لجلب‏ الثقافة الغربیة؟ ألم یستفد النظام البائد من الرادیو والتلفزیون لتجرید المعتقدات الدینیة من صدقیتها، والإساءة إلی العادات والتقالید الوطنیة والقومیة؟

علی أیة حال، ان خصائص کثیرة نظیر القناعة والشجاعة والصبر والزهد وطلب العلم وعدم التبعیة للقوی الکبری، والأهم من کل ذلک الشعور بالمسؤولیة أمام الشعوب، صنع من الروحانیة کیاناً حیاً ثابتاً ومحبوباً. وأیة عزة أسمی من ثورة علماء الدین مع قلة الإمکانیات، بغرس بذور الفکر الإسلامی الأصیل فی التربة الخصبة لأفکار المسلمین واهتماماتهم، حیث اینعت غرسة الفقاهة المقدسة فی ریاض حیاة ومعنویات آلاف الباحثین.

ومع کل هذا المجد والعظمة والنفوذ، ألیس من السذاجة أن یتصور البعض عدم ملاحقة الاستعمار لعلماء الدین؟

إن کتاب (الآیات الشیطانیة) «1» عمل مدروس لاستئصال جذور الدین والتدین وفی طلیعته الإسلام وعلمائه. فمما لا شک فیه لو کان بوسع الناهبین الدولیین لعملوا علی اجتثاث جذور علماء الدین واسمهم، ولکن الله تعالی کان دائماً حافظاً وحارساً لهذا المشعل المقدس، وسیستمر ذلک من الآن فصاعداً أیضاً بعونه تعالی، شرط أن نعی حیل ومکر وخداع الناهبین الدولیین.

وبطبیعة الحال لا یعنی هذا إننا ندافع عن جمیع علماء الدین، ذلک أن رجال الدین المرتبطین والمتظاهرین بالقداسة والمتحجرین لم ولن یکونوا قلة. ففی الحوزات العلمیة ثمة أفراد ینشطون ضد الثورة والإسلام المحمدی الأصیل. فالیوم نری عدة من هؤلاء، ومن خلال التظاهر بالقداسة، توجه سهامها إلی قواعد الدین والثورة والنظام وکأنه لیس لدیها همّاً غیر ذلک. إن خطر المتحجرین والمتظاهرین بالقداسة الحمقی غیر قلیل فی الحوزات العلمیة. وعلی الطلبة الأعزاء أن لا یغفلوا لحظة واحدة عن هذه الأفاعی الرقطاء، إذ أنها تروج للإسلام الأمیرکی وأعداء رسول الله، ولا بد للطلبة الأعزاء المحافظة علی وحدتهم أمام مثل هذه الأفاعی.

إن الاستکبار العالمی وبعدما یأس من القضاء علی علماء الدین وتدمیر کیان الحوزات العلمیة، لجأ فی عصرنا الحاضر إلی أسلوبین لتنفیذ مخططه، الأول أسلوب القوة والإرعاب، والثانی أسلوب الخداع والتضلیل. ولما فشلت حربته فی الإرعاب والتهدید بتحقیق اهدافه، سعی الاستبکار إلی أسلوب الخداع والتضلیل وتقویة نفوذه فی الأوساط الدینیة. ولعلّ من أولی تحرکاته وأهمها الترویج لشعار الفصل بین الدین والسیاسة. ومع الأسف استطاعت هذه الحربة أن تترک تأثیرها إلی حد ما فی الحوزات العلمیة وفی أوساط الروحانیة إلی درجة أصبح التدخل فی السیاسة دون شأن الفقیه. وکان الخوض فی معترک السیاسة مقروناً بتهمة التبعیة للأجانب.

لا شک أن علماء الدین المجاهدین تضرروا کثیراً من هذا النفوذ. فلا تتصورا أن تهمة التبعیة وافتراءات عدیمی الدین الاغیار وحدهم الذین کانوا یلصقونها بالروحانیة، أبداً، بل أن الضربات التی ألحقها رجال الدین الجهلة والواعین المرتبطین، کانت ولا زالت أکثر تأثیراً من ضربات الاغیار.

إبان انطلاقة النضال الإسلامی، إذا کنت ترید أن تقول: إن الشاه خائن، کنت تسمع علی الفور: ولکن الشاه شیعی!!. ان عدة من المتظاهرین بالقداسة والرجعیین کانت تعتبر کل شی‏ء حراماً، ولم یکن یجرؤ أحد علی مواجهة أمثال هؤلاء .. إن الآلام التی تجرع مرارتها والدکم العجوز، بسبب هذه الفئة المتحجرة لم یواجه مثلها مطلقاً من ضغوط ومضایقات الآخرین. وعندما شاع شعار الفصل بین الدین والسیاسة واضحت الفقاهة فی منطق غیر الواعین، الانغماس فی الأحکام الفردیة والعبادیة، وبالضرورة لم یکن یحق للفقیه الخروج من هذا االسیاق وهذه الدائرة والخوض فی السیاسة والحکومة؛ اصبحت حماقة عالم الدین فی معاشرته للناس، فضیلة. وعلی حد زعم بعضهم أن الروحانیة تکون جدیرة بالاحترام والتکریم عندما تقطر الحماقة من کل نقطة فی وجودها!. وإلا فان عالم الدین السیاسی والروحانی الواعی والفطن، مغرض ومدسوس.

کان کل هذا من الأمور الرائجة فی الحوزات. وکل مَنْ کان ینهج نهجاً منحرفاً کان یعتبر أکثر تدیناً. فتعلم اللغة الاجنبیة یعتبر کفراً، والفلسفة والعرفان کانتا تعدان ذنباً وشرکاً. ففی أحد الأیام شرب الابن العاقل السلیم المرحوم مصطفی من جرّة ماء فی المدرسة الفیضیة، فأخذوا الجرّة وطهروها، لأن أباه یدرس الفلسفة. اننی علی ثقة لو أن مثل هذا النهج کان قد استمر لأصبح وضع الحوزات وعلماء الدین وضع کنائس القرون الوسطی، غیر أن الله تعالی منّ علی المسلمین وعلماء الدین وصان کیان الحوزات ومجدها الحقیقی.

إن العلماء المؤمنین بالدین تربوا فی أمثال هذه الحوزات وعزلوا صفوفهم عن الآخرین. وان نهضتنا الإسلامیة العظیمة استمدت وجودها من هذه البارقة. طبعاً لا زالت الحوزات تعانی من هذا النمط من التفکیر، ویجب أن نکون حذرین لئلا تنتقل فکرة الفصل بین الدین والسیاسة من المتحجرین إلی الطلبة الشباب. وما ینبغی للطلبة الشباب التعرف علیه هو کیف أن البعض شمرت عن ساعد الجد فی الفترة التی کان یهیمن المتظاهرون بالقداسة الجهلة والأمیون السذج علی کل شی‏ء، وخاطرت بأرواحها وسمعتها من أجل إنقاذ الإسلام والحوزة وعلماء الدین. إذ لم تکن الأوضاع بما هی علیه الیوم، فکل من لم یکن یؤمن تماماً بالنضال کان ینسحب من الساحة تحت ضغط وتهدید المتظاهرین بالقداسة. وان اشاعة أفکار من قبیل أن الشاه (ظل الله)، وانه من غیر الممکن مواجهة المدفع والدبابة بأید خالیة، أو أننا غیر مکلفین بالجهاد والنضال أو مَنْ المسؤول عن دماء القتلی، والأسوأ من کل ذلک الشعار المضلل من أن الحکومة قبل ظهور المهدی المنتظر علیه السلام حکومة باطلة، إلی غیر ذلک من الاشکالات الواهیة؛ کل ذلک کان یخلق مشکلات کبری وظروف صعبة لم یکن بالإمکان مواجهتها بالنصیحة والإعلام والنضال السلبی. وانما کان طریق الحل الوحید النضال والتضحیة بالدماء، و الذی هیأ الله تعالی وسیلته.

إذ أعد علماء الدین والروحانیة الملتزمة صدورهم لاستقبال کل رصاصة مسمومة کانت تستهدف الإسلام وتقدموا بخطوات ثابتة إلی مذبح العشق. وقد تجلی أول وأهم فصول النضال الدامی فی عاشوراء 15 خرداد. ففی 15 خرداد من عام 1342 (1963 م)، لم تکن المواجهة مقتصرة علی رصاص بنادق ورشاشات الشاه، إذ لو اقتصر الأمر علی ذلک لکانت المواجهة سهلة، وانما کان رصاص الخداع والتحجر والتظاهر ینطلق من أوساط الجبهة الداخلیة. حیث کان رصاص الکنایة والنفاق والازدواجیة یؤلم القلب ویحطم الروح ألف مرة أکثر من البارود والرصاص. وحنذاک لم یمر یوماً دون حادثة، حیث لجأت الأیادی الخفیة والواضحة لأمیرکا والشاه، إلی بث الشائعات والتهم حتی أنهم اخذوا یلصقون تهمة تارک الصلاة ومارکسی وعمیل للإنجلیز، بالذین کانوا یقودون النضال. فی الحقیقة ان علماء الدین الأصیلین کانوا یبکون دماً فی العزلة والأسر وهم یرون کیف أن أمیرکا وعمیلها الشاه یعملون علی اجتثاث جذور الدیانة والإسلام، وان عدة من رجال الدین المتظاهرین بالقداسة یعملون عن قصد أو دون قصد، علی تعبید الطریق أمام هذه الخیانة العظمی.

إن الإساءة التی ألحقها بالإسلام أمثال هؤلاء المتظاهرین بالقداسة والمتلبسین بزی رجال الدین، لم یتلقها من أیة فئة أخری. ولعل مظلومیة أمیر المؤمنین علیه السلام وغربته الصارخة فی التاریخ نموذج بارز لذلک. لأکتفی بهذا ولا أهیج المضاجع أکثر من هذا.

ولکن یجب أن یعلم الطلبة الشباب بأن المسیرة الفکری لهذه الجماعة لا زالت قائمة غیر أن أسلوب التظاهر بالقداسة وبیع الدین قد تغیر. فالمهزومون بالأمس اصبحوا الیوم لاعبی سیاسة. أولئک الذین لم یکونوا یسمحوا لأنفسهم الخوض فی شؤون السیاسة باتوا الیوم یدعمون ویساندون ممن تقدموا إلی مستوی اسقاط النظام وتدبیر انقلاب. وما أحداث قم وتبریز «1»، وبالتنسیق مع الیساریین وانصار الملکیة والانفصالیین فی کردستان، إلا نموذج لذلک. وعلی‏ الرغم من هزیمتهم النکراء إلا أنهم لم یکفوا عن ممارساتهم حیث تورطوا فی تدبیر انقلاب (نوجه) «1»، وقد فضحهم الله تعالی فی هذا أیضاً.

کما أن فئة أخری من المتلبسة بزی رجال الدین ممن کانوا یؤمنون قبل الثورة بالفصل بین الدین والسیاسة، وکانوا یحنون رؤوسهم علی عتبة البلاط، اصبحت فجأة من دعاة التدین، وراحت تنسب تهمة الوهابیة وما هو أسوا من الوهابیة، إلی علماء الدین الأعزاء الشرفاء الذین عانوا الکثیر من الاضطهاد والتشرید والسجن والنفی من أجل الإسلام. فبالأمس کان المتظاهرون بالقداسة عدیمو الشعور یدعون إلی الفصل بین الدین والسیاسة ویعتبرون النضال ضد الشاه حراماً. والیوم یرون بأن مسؤولی النظام الإسلامی اصبحوا مارکسیین. فحتی الأمس القریب کانوا یعتبرون بیع الخمور ونشر الفساد والفسق والفجور وتسلط الظالمین، مفیداً ونافعاً من أجل ظهور صاحب الزمان أرواحنا فداه-. والیوم إذا ما حدث فی مکان نائی فی هذه البلاد ممارسة منافیة للشرع عن غیر قصد، یرفعون عقیرتهم و ینادون (وا اسلاماه) .. بالأمس کانت (الحجتیة) «2» تحرم النضال، وقد بذلت کل مساعیها فی افشال الدعوة إلی مقاطعة الاحتفال فی النصف من شعبان فی ذروة النضال، دعماً للشاه. غیر أنهم الیوم باتوا ثوریین أکثر من أصحاب الثورة. کما أن دعاة الولایة کانوا قد ساعدوا بالأمس، من خلال تحجرهم والتزامهم الصمت، فی المساس بعزة الإسلام والمسلمین، وقصموا ظهر الرسول وأهل بیت العصمة والطهارة عملیاً، ولم یکن عنوان الولایة بالنسبة لهم سوی وسیلة للتکسب والمتاجرة؛ والیوم یحاولون أن یصوروا أنفسهم بأنهم المؤسسین للولایة وورثتها، ویتأسفون علی الولایة فی عهد الشاه!!.

حقاً أن اتهامات من قبیل: أمیرکی وسوفیتی والتقاطی، وتحلیل الحرام وتحریم الحلال، وقتل النساء الحوامل، وتحلیل القمار والموسیقی؛ مَنْ الذی یروج لها؟ هل یروج لها الأشخاص عدیمو الدین أم المتظاهرون بالقداسة المتحجرون عدیمو الشعور؟ مَنْ الذی یقف وراء تحریم محاربة أعداء الله، وإساءة استغلال ثقافة الشهادة والشهداء، واللجوء إلی الطعن والکنایة تجاه مشروعیة النظام؟ هل هم العامة ام الخاصة؟ والی مَنْ ینتسبون هؤلاء االخاصة؟ وهل هم من المعممین أو غیرهم؟. لنترک هذا فالحدیث یطول.

کل هذا نتیجة لنفوذ الأجانب إلی الحوزات وثقافتها. ولا شک أن التعامل الواقعی مع کل ذلک أمر صعب ومعقد للغایة. فلیس من السهل تبیین الحقائق والواقعیات وإشاعة الحق‏ والعدالة ولو قدر المستطاع. کذلک لیس من السهل التصرف بنحو لا یعطی ذریعة بأیدی الاعداء.

وعلی الرغم من أن فی بلدنا لا یوجد فرق فی تطبیق العدالة بین رجل الدین وغیره، ولکن عندما یتم التصدی بحزم إلی المذنبین من رجال الدین بصورة شرعیة وقانونیة، ترفع بعض الفئات المشبوهة عقیرتها علی الفور: لماذا أنتم ساکتون، الجمهوریة الإسلامیة تعمل علی مصادرة کرامة الروحانیة. وإذا ما کان هناک شخص یستحق العفو ویطلق سراحه أحیاناً، یشیعون بأن النظام یمنح رجال الدین امتیازاً غیر مبرر.

علی الشعب الإیرانی العزیز أن یحذر لئلا یسی‏ء الأعداء استغلال تعامل النظام الحازم مع المذنبین ممن یدعون انهم من رجال الدین، وان لا یتأثر بأمواج الإعلام المغرض الذی یستهدف تشویه صورة علماء الدین الملتزمین، بل علیه أن ینظر إلی ذلک بمثابة دلیلًا علی عدالة النظام لأنه لا یفرق بین فئة وأخری. ویعلم الله بأنی شخصیاً لا أری لنفسی أیة ذرة من الحصانة والحق والامتیاز. وإذا ما صدر عنی خلافاً فانی علی استعداد للمساءلة.

وما یجب التفکیر به الآن هو کیف ینبغی لنا الحیلولة دون تکرار تلک الحوادث المرة، والتأکد من انتهاء نفوذ الأجانب فی الحوزات العملیة؟ وعلی الرغم من أنها مهمة صعبة إلا أنه لا بد من التفکیر بها. ولعلّ من أولی الواجبات الإلهیة والشرعیة، المحافظة علی وحدة واتحاد الطلاب وعلماء الدین الثوریین، وإلا فان لیلًا دامساً ینتظرنا ودوامة من الأعاصیر لا نهایة لها. فلا یوجد الیوم أی مبرر شرعی وعقلی فی اعتبار اختلاف الأذواق وتعدد وجهات النظر وحتی ضعف الإدارات، دلیلًا علی تداعی ألفة ووحدة الطلاب وعلماء الدین الملتزمین .. من الممکن أن یکون لدی کل واحد فی مناخه الذهنی والفکری انتقاد إزاء بعض التصرفات وأسلوب الإدارة وتوجهات بعض المسؤولین، ولکن یجب أن لا یکون التعبیر عن ذلک بلهجة واسلوب یحرف أفکار المجتمع علی مدی جیل کامل، عن التعرف علی الأعداء الحقیقیین والقوی العظمی الذین هم مصدر کل المتاعب والمعاناة، وإلقاء مسؤولیة ما نعانیه من ضعف ومعضلات علی عاتق المسؤولین واعتبار تصرفاتهم احتکارا وشمولیة. إذ أن مثل هذا التصور بعید عن الانصاف تماماً، ویصادر اعتبار مسؤولی النظام ویمهد الطریق لنفوذ اللا إبالیین وعدیمی الهموم إلی ساحة الثورة.

إننی علی ثقة بأنه لیس واضحاً من أن الآخرین سیحققون نجاحاً أکثر من المسؤولین الحالیین، فی مواجهتهم لکل هذه المؤامرات والخصومات واشعال الحروب ضد الثورة الإسلامیة. وفی نظرة تحلیلیة منصفة لأحداث الثورة لا سیما أحداث السنوات العشرة التی اعقبت الانتصار، لا بد من القول بأن الثورة الإسلامیة الإیرانیة استطاعت أن تحقق الکثیر من أهدافها. واننا لم نهزم أو نغلب فی أی مجال بعون الله العظیم. حتی فی الحرب کان النصر حلیف شعبنا، ولم یتمکن العدو أن یحقق شیئاً فضلًا عن الخسائر الکبیرة التی تکبدها. طبعاً لو کانت‏ الظروف مساعدة، لکنا حققنا أهدافاً أبعد مما تحقق، إذ اننا کنا فی الحرب نخطط لما هو أسمی مما تحقق، ولکن لا یعنی ذلک بأننا لم نحقق أهدافنا الرئیسة والمتمثلة فی رد العدوان والبرهنة علی صلابة الإسلام. ففی کل یوم کنا نشهد برکة هذه الحرب، وقد تمت الاستفادة منها فی کافة المجالات. فخلال الحرب صدرنا ثورتنا إلی العالم. وفی الحرب برهنا علی مظلومیتنا وظلم المعتدین. ومن خلال الحرب ازلنا القناع عن الوجه المزیف للناهبین الدولیین. ومن خلال الحرب تعرفنا علی اصدقائنا وأعدائنا الحقیقیین. وفی الحرب عملنا علی تحقیق استقلالنا. وفی الحرب حطمنا هیبة القوتین العظمیین الشرقیة والغربیة. وفی الحرب رسخنا جذور ثورتنا الإسلامیة المثمرة. وخلال فترة الحرب عملنا علی تنمیة مشاعر الأخوة وحب الوطن فی کیان کل واحد من أبناء شعبنا. واثناء الحرب اوضحنا لشعوب العالم، لا سیما شعوب المنطقة، إمکانیة النضال ضد کافة القوی والقوی العظمی لسنوات طویلة. کما ساعدت حربنا أفغانستان، وسیکون لها تأثیرها فی فتح فلسطین. إن حربنا جعلت زعماء الأنظمة الفاسدة یشعرون بالذلة أمام الإسلام. حربنا کان لها تأثیر علی الصحوة فی باکستان والهند. وفی الحرب تطورت صناعاتنا العسکریة کل هذا التطور. والأهم من کل هذا انتشار الروح الثوریة للإسلام فی ظل قبس الحرب.

کل هذا من برکات الدماء الطاهرة للشهداء الأعزاء خلال ثمانی سنوات من الحرب .. کل هذا مستلهم من جهود الأمهات والآباء والشعب الإیرانی العزیز فی نضالهم ضد أمیرکا والغرب والاتحاد السوفیتی والشرق خلال السنوات العشر الماضیة. لقد کانت حربنا حرب الحق ضد الباطل، ولن تنتهی .. حربنا حرب الفقر والغنی، حرب الإیمان والرذیلة. وهذه الحرب موجودة منذ آدم والی آخر یوم فی عمر الأرض. فکم هم قصیرو النظر أولئک الذین یتصورون بأن کل هذه التضحیات والشهادة والاستقامة والإیثار والمقاومة ذهبت هدراً لأننا لم نحقق هدفنا النهائی!. فی حین ان صوت الإسلام بات یسمع الیوم نتیجة لحرب الثمانی سنوات التی خضناها. کما أن إقبال الشعوب للتعرف علی الإسلام فی کل من أمیرکا وأوروبا وآسیا وأفریقیا، وفی کل نقطة من نقاط العالم، انما هو بوحی من السنوات الثمانی لحربنا.

إننی هنا اعتذر رسمیاً من أمهات الشهداء والمعاقین وآبائهم واخواتهم وازواجهم وأبنائهم بسبب التحالیل الخاطئة التی تثار هذه الأیام، واسأل الله تعالی أن یحشرنا إلی جوار شهداء الحرب المفروضة. اننا لم نندم أو نأسف ولو للحظة واحدة من عملنا فی الحرب. فهل نسینا أننا حاربنا أداءً للتکلیف ولم تکن النتیجة سوی فرع من ذلک. وهنیئاً لأولئک الذین لم یترددوا حتی آخر لحظة. وحینما اقتضت مصلحة الثورة والنظام قبول قرار وقف اطلاق النار، عملنا بواجبنا أیضاً. فهل العمل بالواجب یبعث علی القلق؟ هل ینبغی لنا أن نصرح بآراء ووجهات نظر خاطئة کی یرضی عنا عدد من‏ اللیبرالیین البائعین لأنفسهم، مما یدعو حزب الله العزیز للتصور بأن الجمهوریة الإسلامیة بصدد العدول عن مواقفها .. إن إشاعة تصور من قبیل أن‏ الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة لم تحقق شیئاً أو أنها لم تکون موفقة فی مسیرتها، هل یحقق شیئاً سوی أضعاف النظام وسلب ثقة الناس به؟!. إن تأخر تحقق کل الأهداف لا یمثل دلیلًا علی أننا عدلنا عن أهدافنا. اننا جمیعاً مکلفون باداء الواجب ولیس النظر إلی النتیجة. فلو أن الأنبیاء والمعصومین علیهم السلام کانوا مکلفین بالنتائج فی زمانهم ومکانهم، لما کان ینبغی لهم العمل خارج طاقاتهم وقدراتهم والتحدث عن الأهداف العامة طویلة الأمد التی لم تتحقق عملیاً فی حیاتهم الظاهرة مطلقاً.

فی حین أن شعبنا وبلطف من الله تعالی، استطاع أن یحقق نجاحات باهرة فی معظم المجالات التی رفع شعاراتها. فقد رأینا عن کثب تحقیق شعار اسقاط نظام الشاه عملیاً، وقد ترجمنا بعملنا علی صعید الواقع شعار الحریة والاستقلال. کما رأینا شعار (الموت لأمیرکا) یتجسد فی تصرف الشباب المتحمس المسلم البطل فی الاستیلاء علی وکر الفساد والتجسس الأمیرکی. لقد تمکنا من ترجمة جمیع شعاراتنا علی صعید الواقع. طبعاً نحن نعترف بأننا واجهنا موانع وعقبات کثیرة مما اضطرنا إلی تغییر أسالیبنا واستراتیجیتنا .. لماذا نستهین بأنفسنا وقدرات شعبنا ومسؤولینا، ونری کل العقل والحکمة لدی الآخرین فحسب؟

إننی احذر الطلاب الأعزاء بأنه فضلًا عن ضرورة مراقبة ایحاءات المتلبسین بلباس علماء الدین والمتظاهرین بالقداسة، یجب الاتعاض من التجربة المرة لتولی السلطة أدعیاء الثوریة وحسب الظاهر عقلاء القوم الذین لم یتصالحوا یوماً مع مبادئ علماء الدین وأهدافهم مطلقاً. حذار من أن یُنسی الماضی الفکری لهؤلاء وخیاناتهم، وان تقود البساطة والسذاجة إلی عودة هؤلاء إلی المناصب المهمة والمصیریة فی النظام.

إننی اعترف الیوم بعد عشر سنوات من انتصار الثورة الإسلامیة، بأن بعض القرارات التی تم اتخاذها فی بدایة الثورة بتسلیم المناصب والمواقع الحساسة إلی فئة لم تکن تؤمن بالإسلام المحمدی الأصیل بصدق وإخلاص، کانت قرارات خاطئة لم نتخلص من مرارتها بسهولة، رغم أنی شخصیاً حینذاک لم أکن أرغب فی مجی‏ء هؤلاء ولکن وافقت علی ذلک نزولًا عند رغبة الأصدقاء وتأییدهم. والآن أیضاً اؤمن بشدة بأن أمثال هؤلاء لن یرضوا بأقل من انحراف الثورة عن جمیع مبادئها وتتحرک صوب أمیرکا ناهبة العالم. علماً أنهم لم یکن لدیهم أی مهارة فی المجالات الأخری غیر الإدعاء والکلام.

إننا لم نأسف الیوم مطلقاً من أن هؤلاء لم یکونوا إلی جوارنا، لأنهم لم یکونوا معنا منذ البدایة. فالثورة غیر مدینة إلی أیة فئة أو جماعة مطلقاً، ولا زلنا نتلقی تبعات ثقتنا المفرطة باللیبرالیین والفصائل الأخری .. إن أحضان البلد والثورة مفتوحة دائماً لاستقبال کل الذین یتطلعون لخدمة الشعب، ولکن لیس بقیمة اعتراضهم علی جمیع مبادئنا وأصولنا بأن: لماذا ترفعون شعار الموت لأمیرکا؟ لماذا خضتم الحرب؟ لماذا تنفذون أحکام الله بحق المنافقین وأعداء الثورة؟ لماذا ترفعون شعار اللاشرقیة واللاغربیة؟ لماذا استولیتم علی وکر التجسس؟ ومئات الاعتراضات الأخری.

وما هو مهم فی هذا الصدد هو یجب ان لا نقع تحت تأثیر الترحم غیر المبرر وفی غیر محله، إزاء أعداء الله والمعارضین للنظام والمتخلفین عنه، وان نتحدث بنحو یثیر الشکوک حول أحکام الله والحدود الإلهیة .. اننی أری بعض هذه الموضوعات لیست فقط لا تصب لصالح البلد وانما تعطی الذریعة للأعداء فی مهاجمتنا. وانی أقول لأولئک الذین علی اتصال بالإذاعة والتلفزیون والصحافة، والذین ربما یرددون أحادیث الآخرین، أقول لهم بکل صراحة: طالما أنا موجود، لن اسمح للیبرالیین بالاستیلاء علی السلطة. طالما أنا موجود، لن أسمح للمنافقین بمصادرة إسلام هذا الشعب الأعزل. طالما أنا موجود، لن نعدل عن مبدأ اللا شرقیة واللا غربیة. طالما أنا علی قید الحیاة سأقطع دابر أمیرکا والاتحاد السوفیتی ولن أسمح لهم بالتواجد فی إیران. وانی علی ثقة تامة من أن الشعب بأسره یدعم النظام والثورة الإسلامیة کما فی السابق. وفضلًا عن مئات المواقف التی جسد فیها تواجده واستعداده للتضحیة، ففی هذا العام أیضاً برهن للعالم أجمع فی مسیرة الثانی والعشرین من بهمن مدی استعداده للتضحیة بنحو ادهش أعداء الثورة حقاً. اننی هنا اشعر بالخجل واری نفسی عاجز عن النطق بما یفیهم حقهم ویلیق بتقدیرهم. ولکن الله تعالی سیجزیهم العطاء العظیم مقابل کل هذا الإخلاص والصدق والعبودیة. ولکنی أقول لأولئک الذین یتهمون عن جهل شعبنا العزیز والنبیل بالعدول عن مبادئ ثورته والتخلی عن علماء الدین والروحانیة، وانصحهم بأن یتأملوا ویتمعنوا فی أقوالهم وأحادیثهم وکتاباتهم، وأن لا ینسبوا تصوراتهم واستنتاجاتهم الخاطئة إلی الثورة والشعب.

القضیة الأخری هی لصالح مَنْ هذه المواجهة وتجزئة علماء الدین الثوریین، التی یحاول البعض إثارتها؟ إن الأعداء ومنذ فترة طویلة کانوا قد استعدوا لبث الاختلاف والفرقة بین علماء الدین. وإذا ما غفلنا عن ذلک فسوف یضیع کل شی‏ء. وبغض النظر عن نوعیة الاختلاف واشکاله، سواء تشویه صورة کبار المسؤولین أو إثارة الاجواء حول الحدود بین الفقه التقلیدی والحرکی، إلی غیر ذلک. فإذا لم یحرص الطلبة والأساتذة فی الحوزة العلمیة علی انسجامهم، لا یمکن توقع من سیکون موفق منهم. وإذا کانت السیادة الفکریة علی فرض المحال للمتلبسین بزی رجال الدین والمتحجرین، فبماذا سیجیب علماء الدین الثوریین الله والشعب؟ إن شاء الله لا یوجد أی اختلاف بین رابطة اساتذة الحوزة والطلاب الثوریین. وإن وجد فمن أجل ماذا؟ وهل هو بشأن الأصول أو بوحی من المزاجیة؟ وهل أدار الأساتذة المحترمون، الذین کانوا یمثلون سند الثورة المحکم فی الحوزات العلمیة، ظهورهم والعیاذ بالله إلی الإسلام والثورة والشعب؟ ألم یصدر هؤلاء أنفسهم فی ذروة النضال فتاواهم بعدم مشروعیة السلطنة؟ ألم یعمل هؤلاء أنفسهم علی فضح کل من یحاول استغلال منصب المرجعیة والانحراف عن الإسلام والثورة، ولفت انظار الشعب إلی ذلک؟ ألم یدعم اساتذة الحوزة الأعزاء جبهات القتال والمقاتلین؟ فاذا ما هزم لا سمح الله هؤلاء، فما هی القوة التی ستحل محلهم؟ وإذا ما عملت أیادی الاستکبار علی دعم رجال الدین المزیفین إلی حد المرجعیة، ألم یسلطوا شخصاً آخر علی الحوزات؟ وهل بوسع أولئک الذین نأوا بأنفسهم عن الاحداث طوال 15 عاماً من النضال قبل الثورة، وعشر سنوات من الأحداث العصیبة بعد الثورة، ولم یعانوا من متاعب النضال ولا مأساة الحرب ولا تأثروا بشهادة أعزة لهم، وواصلوا دروسهم وبحوثهم بکل اطمئنان وراحة بال؛ هل بوسعهم أن یشکلوا دعامة للثورة الإسلامیة فی المستقبل؟

حقاً، لصالح مَنْ هزیمة أی من علماء الدین والطلبة الثوریین والروحانیة المناضلة ورابطة أساتذة الحوزة؟ لا شک أن الذی سیجنی ثمار ذلک هم خصوم علماء الدین، وإذا ما حاولوا الاقتراب للضرورة من الروحانیة، فالی أیة فئة سیتجهون؟ باختصار أن الاختلاف مهما کان فهو مدمر. وإذا ما وصلت القوی المؤمنة بالثورة، حتی تحت عناوین الفقه التقلیدی والفقه الحرکی، إلی مستوی الفئویة والجبهویة، فان ذلک سیشکل بدایة الطریق لاستغلال الأعداء. ذلک أن التکتل الجبهودی یقود فی النهایة إلی المعارضة. فکل جناح وبدافع اقصاء وتحجیم الطرف الآخر، یلجأ إلی اختیار المصطلحات والشعارات بحیث یتهم أحدهم بمناصرة الرأسمالیة ویتهم الآخر بالالتقاطیة. وقد حاولت دائماً وحرصاً منی علی الموازنة بین الأجنحة، أن اعطی توجیهات حلوة ومرة، لأنی اعتبر الجمیع أبنائی وأعزائی. طبعاً لم أقلق أبداً من البحوث الحوزویة العاصفة فی فروع الفقه وأصوله، غیر أنی قلق من تقابل وتعارض الأجنحة المؤمنة بالثورة، لئلا ینتهی بتقویة الجناح المرفّه الذی لا یعرف معنی الألم ولا یکف عن الثرثرة.

استنتج من ذلک أنه إذا تباطا علماء الدین انصار الإسلام المحمدی الأصیل وانصار الثورة فی تحرکهم، فان القوی العظمی واذنابها سینهون کل شی‏ء لصالحهم. فعلی رابطة أساتذة الحوزة أن تعتبر الطلاب الثوریین الأعزاء، الذین عانوا الکثیر وتحملوا العذاب والضرب وتوجهوا إلی جبهات القتال، أبنائها. وان تقیم جلسات معهم وترحب بطروحاتهم وأفکارهم. کما أن علی الطلبة الثوریین أن یحترموا الاساتذة الأعزاء المؤیدین للثورة ویقدروا منزلتهم. وان یکونوا یداً واحدة فی مقابل التیار الانتهازی التافه والذی لا یکف عن الثرثرة. وان یتحلوا بالمزید من الاستعداد والتأهب للتضحیة والشهادة فی سبیل هدایة الشعب، سواء کان المجتمع والشعب ینشدان الحقیقة مثلما هو الحال فی عصرنا حیث أن أبناء الشعب اوفیاء حقاً لعلماء الدین أکثر مما نتصور، أو کما کان علیه الحال فی زمن المعصومین علیهم السلام-.

ولکن علی الشعب الإیرانی النبیل أن یلتفت إلی أن الدعایة التی تشن ضد علماء الدین تستهدف القضاء علی روحانیة الثورة. ذلک أن الأیادی الشیطانیة تتجه إلی الشعب فی همومه ومعاناته محاولة اقناعه بأن علماء الدین هم السبب فی کل هذه المشکلات والمعاناة. ویالیتهم یقصدون رجل الدین الذی لا یعرف معنی الألم والعدیم المسؤولیة، وانما یستهدفون علماء الدین الذین کانوا دائماً فی الطلیعة فی جمیع الأحداث والقضایا المصیریة. لیس هناک من یزعم‏ بأن الشعب والحفاة لا یعانون من شی‏ء وان کل شی‏ء فی متناول أبناء الشعب .. من الطبیعی أن تبرز آثار وتبعات عشر سنوات من الحصار الاقتصادی والحرب والثورة، فی کل ناحیة من نواحی المجتمع وتتجلی النواقص والاحتیاجات للعیان. ولکن أقول بکل ثقة واطمئنان بأنه لو کان هناک غیر علماء الدین فی طلیعة مسیرة الثورة ومراکز صنع القرار، لما کان بقی لنا الیوم شیئاً غیر العار والذلة أمام أمیرکا والناهبین الدولیین، ولتم العدول عن المعتقدات الإسلامیة والثوریة.

ولا بد من التذکیر بأن الإشارة إلی جانب من وقائع الثورة والروحانیة لا یعنی بأن یتخذ الطلاب وعلماء الدین الأعزاء بعد هذا البیان، مواقف ثوریة متشددة، وانما الهدف من ذلک هو العلم والوعی بالسبل التی تساعد فی انتخاب مسیرة التحرک ببصیرة ودرک أفضل للمخاطر والکمائن والمطبات. اما بالنسبة للدروس والبحوث داخل الحوزات فانی اؤمن بالفقه التقلیدی والاجتهاد الجواهری، واری عدم جواز التخلف عنه. الاجتهاد بهذا النهج صحیح، ولکن لا یعنی هذا أن الفقه الإسلامی یفتقر إلی المرونة، بل أن الزمان والمکان عنصران رئیسیان فی الاجتهاد، فمن الممکن أن تجد مسألة کان لها فی السابق حکماً، وان نفس المسألة تجد لها حکماً جدیداً فی ظل العلاقات المتغیرة والحاکمة علی السیاسة والاجتماع والاقتصاد فی نظام ما. أی أنه ومن خلال المعرفة الدقیقة للعلاقات الاقتصادیة والاجتماعیة والسیاسیة المحیطة بالموضوع الأول الذی یبدو أنه لا یختلف عن السابق، ولکنه فی الحقیقة أصبح موضوعاً آخر یتطلب حکماً جدیداً بالضرورة. ولهذا ینبغی للمجتهد أن یکن محیطاً بقضایا عصره. فالناس والشباب وحتی العامة، لن یقبلوا من المرجع والمجتهد الاعتذار عن إعطاء رأیه فی المسائل السیاسیة .. إن الإحاطة بسبل مواجهة التزویر والتضلیل للثقافة السائدة فی العالم، وامتلاک البصیرة والرؤیة الاقتصادیة، والاطلاع علی کیفیة التعامل مع الاقتصاد العالمی، ومعرفة السیاسات والموازنات وما یروج له الساسة، واادراک موقع القطبین الرأسمالی والمارکسی ونقاط قوتهما وضعفهما، إذ انهما یحددان فی الحقیقة استراتیجیة النظام العالمی؛ ان کل هذا یعتبر من خصائص وسمات المجتهد الجامع .. فلا بد للمجتهد من التحلی بالحنکة والذکاء وفراسة هدایة المجتمع الإسلامی الکبیر وحتی غیر الإسلامی. ویجب أن یکن مدیراً ومدبراً حقاً فضلًا عن اتسامه بالخلوص والتقوی والزهد الذی هو من شأن المجتهد. فالحکومة من وجهة نظر المجتهد الحقیقی تمثل الفلسفة العملیة للأحکام الفقهیة فی الحیاة الإنسانیة .. و الحکومة هی تجسید الجانب العملی للفقه فی تعامله مع المعضلات الاجتماعیة والسیاسیة والعسکریة والثقافیة .. الفقه هو النظریة الواقعیة المتکاملة لإدارة الإنسان من المهد إلی اللحد. فالهدف الأساسی یکمن فی کیف یتسنی لنا تطبیق أصول الفقه المحکمة فی عمل الفرد والمجتمع، وان تکون لدینا إجابات للمعضلات. وان أقصی ما یخشاه الاستکبار هو أن یجد الفقه والاجتهاد الترجمة العملیة والواقع الموضوعی ویخلق لدی المسلمین القدرة علی المواجهة.

حقاً، ما الذی اغضب الناهبین الدولیین إلی هذا الحد إثر الإعلان عن الحکم الشرعی والإسلامی الذی یتفق علیه جمیع العلماء، بحق أحد العملاء الأجانب «1»، وراحوا یتشبثون بنحو مستمیت مستنفرین کل قواهم؟ ألیس هو وعی المسلمین لرسالتهم الدینیة والعلمیة وتصدیهم لمؤامرات قادة الاستکبار المشؤومة، الذین باتوا یدرکون جیداً بأن إسلام المسلمین بات الیوم دیناً راقیاً متحرکاً مفعماً بالحماس، ونظراً إلی أن الأجواء لم تعد مهیأة لهم کما فی السابق ولم یعد بإمکان عملائهم واذنابهم التلاعب بمقدسات المسلمین کما فی السابق، لذلک انتهابهم الاضطراب.

لقد سبق لی أن قلت، أن جمیع مؤامرات الناهبین الدولیین التی استهدفتنا، بدءً من الحرب المفروضة إلی الحصار الاقتصادی وغیر ذلک، کانت تستهدف إظهار عجز الإسلام عن تلبیة احتیاجات المجتمع، وبالتالی اللجوء إلیهم فی کل صغیرة وکبیرة. ولکن یجب علینا أن ندرک جمیعاً بأنه لا بد لنا فی الحقیقة من التحرک ان شاء الله تعالی علی طریق قطع جمیع شرایین تبعیة بلادنا لهذه الدنیا المتوحشة.

ربما تصور الاستکبار الغربی بأنه إذا ما هددنا بالسوق المشترکة والمحاصرة الاقتصادی، سوف نبقی نراوح فی مکاننا ونتراجع عن تنفیذ حکم الله العظیم .. أنه لأمر ملفت ومثیر، ان هؤلاء الذین یتظاهرون بالتحضر والثقافة، لیس مهماً بالنسبة لهم أن یقوم أحد الکتّاب العملاء بالإساءة إلی أحاسیس ومشاعر أکثر من ملیار إنسان مسلم، من خلال قلمه الذی یقطر سمّاً، ویسقط عدد من الشهداء بسبب ذلک، بل ویعتبرون هذه الفاجعة عین الدیمقراطیة والتحضر. ولکن عندما یثار بحث تنفیذ الحکم والعدالة، یأخذون بتردید نواحة الرأفة والإنسانیة.

إننا ندرک حقد العالم الغربی علی العالم الإسلامی والفقاهة ونتعرف علیه من خلال هذه المواقف. فالقضیة لیست قضیة الدفاع عن شخص وانما قضیة الدفاع عن نهج یعادی الإسلام والقیم الأخلاقیة، تروج له المحافل الصهیونیة والبریطانیة والأمیرکیة، ووضعته فی مواجهة العالم الإسلامی بأسره بکل حماقة.

وبطبیعة الحال یجب أن نری کیف تتصرف بعض الدول والحکومات الإسلامیة إزاء هذه الفاجعة الکبری. فلم تعد القضیة قضیة عرب وعجم وفرس وإیران، وانما هی إساءة لمقدسات المسلمین منذ صدر الإسلام وحتی یومنا هذا، ومن الآن والی نهایة التاریخ نتیجة لهیمنة الأجانب علی ثقافة الدین الإسلامی. فإذا غفلنا عن ذلک فهذا أول الغیث. إذ أن الاستعمار یختزن فی أکمامه الکثیر من هذه الأفاعی الخطرة وهؤلاء المرتزقة من أصحاب الأقلام المأجورة. فلا توجد أیة ضرورة لأن نسعی فی مثل هذه الأوضاع إلی توسیع نطاق علاقاتنا، لأنه‏ من الممکن أن یتصور الأعداء بأننا بحاجة إلیهم وتابعین لهم لدرجة نلتزم الصمت وعدم تحریک ساکناً تجاه الإساءة إلی معتقداتنا ومقدساتنا الدینیة.

إن هؤلاء لا زالوا یؤمنون بأنه لا بد لنا من إعادة النظر فی سیاساتنا ومبادئنا ودبلوماسیتنا، واننا قد تصرفنا بسذاجة ویجب عدم تکرار أخطاء الماضی، ویعتقدون بأن الشعارات المتطرفة والحرب کانت وراء نظرة الغرب والشرق المتشائمة إلینا، وبالتالی قادت إلی عزلتنا وانزوائنا. وإذا ما تصرفنا بواقعیة، فان هؤلاء سیتصرفون معنا بالمقابل بصورة إنسانیة ویتعاملون باحترام مع شعبنا والإسلام والمسلمین!!

إن هذا مجرد نموذج واحد أراد الله تعالی أن یحدث فی هذا العصر بعد صدور کتاب الآیات الشیطانیة الإلحادی، وان یتضح الوجه الحقیقی لعالم الاستکبار والتفرعن والبربریة ومدی عدائهم العتید للإسلام، عسی أن نتخلص من التفکیر الساذج وان لا نتصور کل شی‏ء من منطلق الخطأ وسوء الإدارة وقلة التجربة، وان ندرک بکل وجودنا بأن القضیة لیست خطأنا وانما هی محاولات الناهبین الدولیین القضاء علی الإسلام والمسلمین، وإلا فان قضیة سلمان رشدی شخصیاً بالنسبة لهم بدرجة من الأهمیة تستدعی أن یقف ورائها الصهاینة والاستکبار العالمی بأسره.

وعلیه یجب علی علماء الدین وجماهیر حزب الله العزیزة وأسر الشهداء المحترمة، ان یتحلوا بالحیطة والحذر وان یتنبهوا لئلا تتم إضاعة دماء اعزتم من خلال هذه التحلیلات والتصورات غیر السلیمة. وان أشد ما اخشاه هو أن یجلس محللو الیوم بعد عشر سنوات قادمة فی موضع القضاء قائلین: یجب أن نری هل کانت الفتوی الإسلامیة وحکم إعدام سلمان رشدی مطابقة لأصول ومبادئ الدبلوماسیة ام لا؟ ومن ثم یستنتجون بأنه نظراً إلی أن حکم الله تترتب علیه تبعات، وان السوق المشترکة والدول الغربیة اتخذت مواقف معادیة لنا، لذا یجب أن نتحلی بالحکمة وان نتسامح بحق المسیئین لمقام الرسول المقدس وللإسلام والدین.

باختصار علینا أن نحرص علی تجسید فقه الإسلام العملی بعیداً عن الدبلوماسیة السائدة فی العالم ودون أن نعبأ بالغرب المحتال والشرق المعتدی، وإلا طالما کان الفقه مستوراً فی الکتب وصدور العلماء فانه لن یلحق بالناهبین الدولیین أی ضرر. وما لم یکن لعلماء الدین حضوراً فاعلًا فی کافة القضایا والمعضلات، لیس بوسعهم أن یدرکوا بان الاجتهاد المصطلح غیر کافٍ لإدارة المجتمع. وان الحوزات العلمیة وعلماء الدین مطالبون دائماً باستیعاب حرکة المجتمع والتنبؤ بمتطلباته واحتیاجاته المستقبلیة، وان یکونوا مهیأین لاتخاذ ردود الفعل المناسبة إزاء الاحداث قبل حدوثها. فمن الممکن أن تتغیر الأسالیب الرائجة لإدارة أمور المجتمع فی السنوات القادمة، وتجد المجتمعات البشریة نفسها بحاجة إلی أفکار إسلامیة جدیدة لإیجاد حلول لمشکلاتها. ولهذا ینبغی لعلماء الإسلام الکبار ان یفکروا بذلک من الآن.

الملاحظة الأخیرة هی ضرورة التفات علماء الدین والطلاب والروحانیین إلی أهمیة الشؤون القضائیة والتنفیذیة واعتبارها أمراً مقدساً بالنسبة لهم وذات قیمة إلهیة وان یروا لأنفسهم منزلة ومکانة، اذا ما قرروا الابتعاد اجواء الدرس المباحثة من أجل تطبیق أحکام الله والانشغال بشؤون الحکومة الإسلامیة. فإذا ما رأی أحد الطلاب منصب امام الجمعة وإرشاد الناس، أو القضاء فی أمور المسلمین، شاغراً وتوفرت لدیه القدرة والکفاءة اللازمة، ولم یقبل المسؤولیة بذریعة البحث والدرس فقط، أو أنه لا یأنس بغیر الاجتهاد والمباحث المقررة فی الفقه و الاصول؛ فانه لا شک سیسأل فی محضر الله تعالی ولن تقبل اعذاره مطلقاً. اننا إذا لم نخدم النظام الإسلامی الیوم وو اذا ما تجاهلنا الإقبال غیر المسبوق لأبناء الشعب علی علماء الدین والروحانیة، فلن تکون هناک فرصة وظروف أفضل مما هی علیه الآن مطلقاً.

ارجو أن لا تکون نصائح وتوصیات الأب العجوز والخادم الحقیر قد ازعجتکم، وآمل أن تدعوا لی بطلب المغفرة فی مظان استجابة الدعاء بأنفاسکم القدسیة وقلوبکم المنورة. وأنا أیضاً لن أغفل عن الذکر وصالح الدعاء لعلماء الدین الأصیلین والحوزات العلمیة.

اللهم زد من قدرة العلماء والروحانیة علی خدمة دینک .. اللهم احفظ الحوزات العلمیة، هذه الخنادق المشیدة لصیانة الفقاهة والاسلام الأصیل إلی الأبد .. اللهم منّ علی شهداء علماء الدین والحوزات برحمتک الواسعة وارزقهم الحضور عندک .. اللهم منّ علی معاقیهم بالشفاء، وعلی أسر شهدائهم بالصبر والأجر. وأعد مفقودیهم وأسراهم إلی وطنهم .. اللهم زد فی قلوبنا وتوجهاتنا من قیمة الخدمة وخدمة دینک وخدمة الشعب واجعلها خالدة، انک ولی النعم والسلام علیکم ورحمة الله وبرکاته.

3 اسفند 1367

روح الله الموسوی الخمینی‏